أحداث كثيرة سجلها شهر يناير من أهمها للجيل الجديد ذكرى ثورة ٢٥ يناير التى تم الحشد لها فى اليوم الذى توافق تاريخه مع إحتفالات عيد الشرطة ولكن هناك أحداث كثيرة حدثت في شهر يناير فى أعوام ماضية أحببت أن أدون منها ذكرى ثورية أخرى تحديدا فى يوم ١٨ و١٩ يناير عام ١٩٧٧ فى عهد أنور السادات ثورة أو إنتفاضة كما ذكرتها عناوين الصحف لا تقل أهمية فى أحداثها وأسبابها .
فى البداية هناك سؤال به مفارقة فلسفية تقول هل التاريخ الذى يصنع الأبطال أم أن الأبطال هم الذين يصنعون التاريخ ؟ فكثيراً من الأحداث الصعبة التي تمر بها أى بلد يظهر أبطال حقيقيين منهم المزيف الذى يدعى البطولة وينسبها لنفسه ومنهم من يكون حقيقياً والأحداث كفيلة بأن تظهر أشجع من فيها وأثبت من فيها على مبادئه التى قد تشكل على حياته ومستقبله خطراً كبير جراء المواقف التى يُصر على أن لا يتنازل عنها ولكن تلك الضريبة الصعبة لا يقدر إلا أصحابها بأن يدفع ثمنا لها.
بدأت إنتفاضة الخبز أو كما سماها السادات إنتفاضة الحرامية لأنها شاهدت أحداث شغب وتعدى على أملاك الغير وعمليات تخريبية كما يحدث فى أى ثورات شعبية ولكنى أعتقد أنها كانت ثورة جياع حتى وإن كان اللفظ شديد الوقع على الأذهان فالبطون الخاوية وزيادة الفقر كثيراً ما تحرك ثورات المصريين ،والتى بدأت فيها أحوال الناس في تلك الفترة تزداد من أعلى طبقات الفقر إلى قاع الفقر وفى المقابل بدأ فى الطرف الآخر طبقات جديدة من المجتمع تُجمع الأموال بسبب ثغرات فى تلك المرحلة من أهمها الإنفتاح الإقتصادى وتغلغل أصحاب القرارت السياسية فى جانب البزنس وتدهور إنتاجية القطاع العام وزيادة الإستيراد وفتح الأبواب للمستثمرين من الخارج فى السلع والمنتجات الغير ضرورية وظهور شركات توظيف الأموال وتحول الرؤية السياسية لدى أنور السادات من الإشتراكية إلى الرأسمالية بشكل سريع غير مدروس من خبراء الإقتصاد كل ذلك فى ظل الزخم الشعبى وبوادر الإعلان عن إتفاقية التطبيع لدى الكيان الإسرائيلي والتى بدأت تلك الأحداث أن تعمل فى المجتمع بشكل فوضوي لتعم أركان المحروسة بعد إنتصار أكتوبر والأمال والطموحات العالية لدى جماهير الشعب فى التقدم والأزدهار كما ظهر لدى جيرانها العرب بعد ظهور قوة المال من مصادر الطاقة كالبترول والغاز الطبيعي لنصل كما وصل إلية أشقائنا العرب وربما تخطت الطموحات أعلى من ذلك بأن ننافس أمريكا أو على الأقل معاملتها الند بالند ليعم الإستقرار السياسي البلاد والذى يتبعه إستقرار فى الإقتصاد وبالطبع كانت رؤية خاطئة لأن ذلك لم يحدث.
خرجت جموع من المصريين والذى عانت فى تلك الفترة من تضيق كبير على مستوى المعيشة إلى الشوارع والميادين وألتحق بهم طلاب من عدة جامعات مصريه فى مظاهرات حاشدة للطبقات التى تضررت بفعل تلك القرارات الإقتصادية أخذت تعلوا هتافات جموع المتظاهرين ضد رجال الحكومة، بدءاً من سيد مرعى رئيس مجلس الشعب، مروراً بممدوح سالم رئيس الوزراء، و بالدكتور عبدالمنعم القيسونى، نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، وصاحب مشروع رفع الدعم عن بعض السلع وكانت من ضمن الشعارات التى ردّدوها سيد مرعى يا سيد بيه كيلو اللحمه بقة بجنية .. هما بياكلوا حمام وفراخ واحنا الفول دوخنا وداخ .. عبد الناصر ياما قال خلوا بالكم مالعمال..هو بيلبس آخر موضة وإحنا بنسكن عشرة ف أوضة وغيرها من الهتافات الرنانة، وقفت أمامها عناوين الصحف الرسمية للحكومة وكانت وقتها ثلاث صحف رئيسية تشكل رأى الدولة خاصة وأن السادات كان يجتمع كل فترة مع رؤساء الصحف ليقرر من سيتم تعينه ومن سيتم إستبداله حسب من يشيد له ويمتن بالولاء إلية فتصدرت تلك الصحف عنواين تشيد بأنها مؤامرة من الخارج وأنهم .
جماعات مدفوع لها المال لأسباب وأغراض ما للنيل من أمن وإستقرار البلاد وقلب نظام الحكم وما إلى ذلك.
![]() |
| جريدة الأهرام عناوين الصحف بعد ثورة الخبز |
كان من ضمن المشاركين فيها شاعر البسطاء أحمد فؤاد نجم والذى تم إتهامه بعده تهم ثابته له مع عدد ضخم كبير من الوطنيين المعارضين في مصر سواء يحملون أفكار وتوجهات سياسيه مثل الإشتراكيين والناصريين والشيوعيين والليبراليين والإسلاميين وغيرهم من الأيديولوجيات المعارضة أو أصحاب توجهات فردية وتم القبض عليهم على إثر العمليات الأمنية المكثفة بعد فرض حظر التجول وإعلان قانون الطوارئ فى البلاد وأصبح أحمد فؤاد نجم مقيد الحرية عن التعبير وعن الصراخ وعن إلقاء شعره فى وجه الظلمه والحراميه كما كان يرى فى ذلك الوقت وأصبح الآن السجين رقم ١٥٨ المتهم فى قضية بقلب نظام الحكم وزعزعة السلم والأمن فى البلاد، ولكن كان لصالحب الرأى المخالف قوة ومصدر إلهام داخل زنزانته التى أصبحت مثل بيته الثانى يعود إليها كل عام لتقيد حريته من جديد ليضيق بها عقله ويستجمع فيها شيطانه أبيات شعره الرائعة، وكانت تلك المرة حبيبته عزه بلبع مصدر إلهامه فهو ينتظرها فى لهفه وحنين ليمارس معها العشق والحب العفوى وهى أيضاً تنتظر منه جواب لتطمأن عليه وعلى أحواله فما كان لهذا المخادع إلا الحيل التى أبتكرها على الرغم من أن الورقة والقلم كانت من الممنوعات داخل السجن ولكن لم يمنعه شئ من إبتكار الحيل الجديده فكتب أبيات قصيدته على ورق بفرة السجائر وعلى الجدران وأخذ يتليها على النزلاء فى السجن معه لتسجل فى أذهانهم من الضياع والنسيان وكانت من ضمن الحيل ورقه قد أهداها له شخص مسؤول لسجين لكى يقدّم التماسًا لرئيس الجمهورية حتى يعفو عنه، فإذ به يأخذ ورقة الألتماس ويملأها شعرًا ليخرج لنا قصيدة تسجل حكاية يوم ١٨ يناير شهر الغلابة والمطحونين بعدما وصف تلك الأحداث بعلامات يوم القيامة نظراً لأستحاله فكره الثورة لدى المصريين فى تلك الفترة فيقول :
كل ما تهل البشاير من يناير كل عام
يدخل النور الزنازن
يطرد الخوف و الضلام
يا نسيم السجن ميل ع العتب و ارمي السلام
زهر النوار و عشش في الزنازين ...الحمام
من سكون السجن صوتي نبض قلبي من تابوتي
بيقولولك يا حبيبتي
كلمتي من بطن حوتي
سلمي لي عالحبايب
يا حبيبتي
سلمي لي
كل حب و له نصيب من سلامي
بلغي لي
احضني العالم عشاني
بين عيونك
و ابعتي لي
نظرة
منها اشوف حبايبي
و اشفي قلبي
و اسأليلي
كل عالم في بلدنا
كل برج و كل مادنه
كل صاحب من صحابنا
كل عيل من ولادنا
حد فيهم شاف علامة من علامات القيامه
قبل ما تهل البشاير
يوم تمنتاشر يناير
لما قامت مصر قومة بعد ما ظنوها نومه
تلعن الجوع و المذلة و المظالم و الحكومة؟
سلمي لي ع الولاد السمر
خضر العمر في عموم الحواري
سلمي لي
ع البنات المخطوبين في المهد لسرير الجواري
و اسأليلي بالعتاب كل قاري في الكتاب
حد فيهم كان يصدق
بعد جهل و بعد موت
ان حس الشعب يسبق اي فكر و اي صوت
هي دي مصر العظيمة
يا حبيبتي
هي مصر
اللي فضلتي في هواها
عشنا
على الف قصر
هي دي
يا عزة
مصر
ولم تكتفى الشجاعة هنا فقط بل ظهرت أيضاً شجاعه غير عادية عندما أراد أنور السادات أن يعاقب المشاركين في تلك الإنتفاضة ويعطى درساً لكل من تسول له نفسه بأن يعترض على سياسته التقشفية فى فتره حكمه بالحبس ليكمم أوفاهّم فإذا به يوكل القضية للمستشار المسيحيى حكيم منير صليب، رئيس محكمة أمن الدولة العليا الذى توقع منه بأن يكون ولاءُه إلية لأنه مسيحى ولكن خاب توقعه لأن الجينات المصريين كما هي لا يهددها إختلاف الدين فبعد أن درس القاضي تلك القضية وأخذ يبحث فى أسباب التى أدت إلى حدوث تلك الإنتفاضة الشعبية وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين فى تلك الفترة وهل هى فعلا التى دفعتهم لإتخاذ قرار الخروج للشارع أم لا ؟ وبعد دراسة القضيه بشكل عادل ووضع تدهور الأوضاع المعيشية والإقتصادية التى يعانى منها الموطنين فى الحسبان فكان هذا جزء من نص قرار المحكمة :
![]() |
| المستشار حيكم منير صليب قاضى المرافعة |
"ولكن المحكمة وهى تتصدى لتلك الأحداث بالبحث والاستقصاء لعلها أن تستكشف عللها وحقيقة أمرها لابد أن تذكر ابتداء أن هناك معاناة اقتصادية كانت تأخذ بخناق الأمة المصرية فى ذلك الحين وكانت هذه المعاناة تمتد لتشمل مجمل نواحى الحياة والضروريات الأساسية للإنسان المصرى، فقد كان المصريون يلاقون العنت وهم يحاولون الحصول على طعامهم وشرابهم ويجابهون الصعاب وهم يواجهون صعودا مستمرا فى الأسعار مع ثبات مقدار الدخول، ثم إن المعاناة كانت تختلط بحياتهم اليومية وتمتزج بها امتزاجا فهم مرهقون مكدودون فى تنقلهم من مكان إلى آخر بسبب أزمة وسائل النقل وهم يقاسون كل يوم وكل ساعة وكل لحظة من نقص فى الخدمات وتعثر فيها، وفوق ذلك كان أن استحكمت أزمة الإسكان وتطرق اليأس إلى قلوب الناس والشباب منهم خاصة من الحصول على مسكن وهو مطلب أساسى تقوم عليه حياتهم وتنعقد آمالهم فى بناء أسرة ومستقبل، وسط هذه المعاناة كان يطرق أسماع المصريين أقوال المسؤولين والسياسيين من رجال الحكومة فى ذلك الوقت تبشرهم بإقبال الرخاء وتعرض عليهم الحلول الجذرية التى سوف تنهى أزماتهم وتزين لهم الحياة الرغدة الميسرة المقبلة عليهم، وبينما أولاد هذا الشعب غارقون فى بحار الأمل التى تبثها فيهم أجهزة الإعلام صباح مساء إذ بهم وعلى حين غرة يفاجأون بقرارات تصدرها الحكومة ترفع بها أسعار عديد من السلع الأساسية التى تمس حياتهم وأقواتهم اليومية، هكذا دون إعداد أو تمهيد، فأى انفعال زلزل قلوب هؤلاء وأى تناقص رهيب فى الآمال وقد بثت فى قلوبهم قبل تلك القرارات وبين الإحباط الذى أصاب صدورهم ومن أين لجل هذا الشعب ومعظمهم محدود الدخل أن يوائموا بين دخول ثابتة وبين أسعار أصيبت بالجنون، وإذا بفجوة هائلة تمزق قلوب المصريين ونفوسهم بين الآمال المنهارة والواقع المرير، وكان لهذا الانفعال وذلك التمزق أن يجدا لهما متنفسا، وإذا بالأعداد الهائلة من هذا الشعب تخرج مندفعة إلى الطرقات والميادين وكان هذا الخروج توافقيا وتلقائيا محضا، وإذا بهذه الجموع تتلاحم هادرة زاحفة معلنة سخطها وغضبها على تلك القرارات التى وأدت الرجاء وحطمت الآمال، وحاولت جهات الأمن أن تكبح الجماح وتسيطر على النظام، ولكن أنى لها هذا والغضب متأجج والآلام مهتاجة، ووسط هذا البحر الهادر وجد المخربون والصبية سبيلا إلى إرضاء شهواتهم الشريرة، فإذا بهم ينطلقون محرقين ومخربين ومتلفين وناهبين للأموال وهم فى مأمن ومنجاة وقد التهبت انفعالات هاته الجموع وتأجج حماسهم عندما تعرض لهم رجال الأمن المركزى بعصيهم ودروعهم وقنابلهم المسيلة للدموع، فكان أن اشتعلت الأحداث وسادت الفوضى ولم يكن من سبيل لكبح الجماح وإعادة الأمن والنظام إلا فرض حظر التجوال
ونزول رجال القوات المسلحة إلى الميدان وأمكن حينئذ، وبعد جهد خارق استعادة الأمن والنظام.
والذى لا شك فيه وتؤمن به المحكمة ويطمئن إليه ضميرها ووجدانها أن تلك الأحداث الجسام التى وقعت يومى 18 و19 يناير 1977 كان سببها المباشر والوحيد هو إصدار القرارات الاقتصادية برفع الأسعار فهى متصلة بتلك القرارات اتصال المعلول بالعلة والنتيجة بالأسباب" ليصدر الحكم فيها المستشار حكيم منير ببراءة كل المتهمين من التهم المنسوبة إليهم وليضرب مثلاً رائعا لنزاهة وعدل القضاء وليعانق جميع المعتقلين بمن فيهم الشاعر أحمد فؤاد نجم أبواب الحرية ليتنفس الصعداء ويعانق حبيبه عزه وليكمل مسيرته ليستوحى أبيات أشعاره من شوارع مصر المزدحمة التى تمتلء بأبواق السيارات ومواطنين الطبقات البسيطة التى تجتمع على طبلية واحدة وجبتها الأساسية طبق الفول التى لا يسمع لها صوت فى الإعلام وذلك عن طريق حنجرة صاحبه الرنانة ورفيق دربه الشيخ إمام ليطربنا حتى الآن وليثبت دائما وابدا أن أصحاب المبادئ والقرارات الصعبة هم قلة لا تنساهم مصر على مدى العصور ليبقوا محفوريين على جدران حضارتها العظيمه.



تعليقات
إرسال تعليق